صفي الرحمان مباركفوري

367

الرحيق المختوم

عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يوسف : 92 ] فأنشده أبو سفيان أبياتا منها : لعمرك إني حين أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني * على اللّه من طردته كل مطرد فضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدره وقال : أنت طردتني كل مطرد « 1 » . الجيش الإسلامي ينزل بمر الظهران وواصل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيره وهو صائم ، والناس صيام ، حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - فأفطر وأفطر الناس معه « 2 » ، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران - وادي فاطمة - نزله عشاء ، فأمر الجيش ، فأوقدوا النيران ، فأوقدت عشرة آلاف نار ، وجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . أبو سفيان بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وركب العباس - بعد نزول المسلمين بمر الظهران - بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البيضاء ، وخرج يلتمس لعله يجد بعض الحطابة أو أحدا يخبر قريشا ، ليخرجوا يستأمنون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يدخلها . وكان اللّه قد عمى الأخبار عن قريش ، فهم على وجل وترقب ، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار ، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار . قال العباس : واللّه إني لأسير عليها - أي على بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - إذا سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا . قال : يقول بديل : هذه واللّه خزاعة ، خمشتها الحرب ، فيقول أبو سفيان : خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . قال العباس : فعرفت صوته ، فقلت : أبا حنظلة ؟ فعرف صوتي ، فقال : أبا الفضل ؟

--> ( 1 ) حسن إسلام أبي سفيان هذا بعد ذلك ، ويقال : إنه ما رفع رأسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منذ أسلم حياء منه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحبه ، وشهد له بالجنة ، وقال : أرجو أن يكون خلفا من حمزة . ولما حضرته الوفاة قال : لا تبكوا علي ، فو اللّه ما نطقت بخطيئة منذ أسلمت . زاد المعاد 2 / 162 ، 163 . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 613 .